الشنقيطي

85

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

الإحاطة ، والعرب تقول : رأيت الشيء وما أدركته ، فمعنى لا تدركه الأبصار لا تحيط به ، كما أنه تعالى يعلمه الخلق ولا يحيطون به علما . وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية ، مع أن اللّه تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق . والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا « حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 1 » . فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا ، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقا . والحاصل : أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلا ، ويدل لجوازها عقلا قول موسى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] لأنه لا يجهل الجائز في حق اللّه تعالى عقلا . وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الآخرة ممتنعة في الدنيا ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا : « إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا » « 2 » والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ 106 ] لا يعارض آيات السيف لأنها ناسخة له . قوله تعالى : قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ 128 ] الآية . هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا ونظيرها قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [ هود : 106 - 107 ] وقوله تعالى : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [ النبأ : 23 ] . وقد جاءت آيات تدل على أن عذابهم لا انقطاع له كقوله خالِدِينَ فِيها أَبَداً [ النساء : 169 ] . والجواب عن هذا من أوجه :

--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .